وهبة الزحيلي

271

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أصل تركيبه ، فقيل : هو مركب من ها التي للتنبيه ولم ، وهو مذهب البصريين ، وقيل : من هل وأم ، وهو متعد ولازم ، فالمتعدي كقوله : قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ [ الأنعام 6 / 150 ] أي أحضروا شهداءكم ، واللازم كقوله : هلم إلينا ، وأقبلوا إلينا ، وقوله : وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ إما المنافقون قالوا للمسلمين : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس « 1 » ، وهو هالك ومن معه ، فهلم إلينا ، وإما يهود بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين : تعالوا إلينا وفارقوا محمدا ، فإنه هالك ، وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحدا . وإما رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لشقيقه في قلب المعركة : هلم إلي ، قد تبع بك وبصاحبك ، أي قد أحيط بك وبصاحبك . وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أي ولا يأتي المنافقون القتال إلا زمنا قليلا أو شيئا قليلا إذا اضطروا إليه ، خوفا من الموت ، كقوله تعالى : ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [ الأحزاب 33 / 20 ] . ثم ذكر اللّه تعالى صفات أخرى لهم ، فقال : 1 - أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ هذه صفة البخل ، أي بخلاء بأنفسهم وأحوالهم وأموالهم ، فلا يعاونونكم في الحرب بنفس ولا بمال ولا بمودة وشفقة ، وكذا عند قسمة الغنيمة . وأشحة : جمع شحيح على غير القياس ، والقياس : أشحاء ، مثل خليل وأخلاء . والصواب : أن يعم شحهم كل ما فيه منفعة المؤمنين . 2 - فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وهذه صفة الجبن والخوف ، والبخل شبيه الجبن ، فلما ذكر البخل بيّن سببه وهو الجبن ، والمعنى : فإذا بدأ حدوث الخوف ببدء المعركة والقتال ،

--> ( 1 ) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد ، وهو جمع آكل .